محمد جمال الدين القاسمي

244

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 91 ] إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ أي : المشاتمة والمضاربة والمقاتلة وَالْبَغْضاءَ القاطعة للتعاون الذي لا بد للإنسان منه في معيشته فِي الْخَمْرِ أي إذا صرتم نشاوى وَالْمَيْسِرِ إذا ذهب مالكم . وقد حكى أنه ربّما قامر الرجل بأهله وولده فإذا أخذه الخصم وقعت العداوة بينهما أبدا . ثم أشار إلى مفاسدهما الدينية بقوله : وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إذ يغلب السرور والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذّ الجسمانية فيلهى عن ذكر اللّه . والميسر ، إن كان صاحبه غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلبة والقهر عن ذكر اللّه . وإن كان مغلوبا ، مما حصل من الانقباض أو الاحتيال إلى أن يصير غالبا ، لا يخطر بباله ذكر اللّه وَعَنِ الصَّلاةِ أي : ويصدكم عن مراعاة أوقاتها . وقوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ من أبلغ ما ينهى به ، كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع . فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون ؟ أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا ؟ أفاده الزمخشريّ . تنبيهات : الأول : سبق الكلام على الخمر والميسر في سورة البقرة في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وسلف أيضا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ فتذكر . الثاني : إنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ، ثم أفردا آخرا ، وخصصا بشرح ما فيهما من الوبال - للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما . وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة . كأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك باللّه في علم الغيب ، وبين من شرب خمرا أو قامر . روى الحارث بن أبي أسلمة في ( مسنده ) عن ابن عمرو مرفوعا : شارب الخمر كعابد وثن ، وشارب الخمر كعابد اللات والعزّى . وإسناده حسن . وتخصيص الصلاة بالإفراد ، مع دخولها في الذكر ، للتعظيم والإشعار بأن الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان ، لما أنها عماده .